الشيخ الطبرسي

116

تفسير جوامع الجامع

ثمَّ عَرَّفَ سبحانَهُ أنَّ ما يُطْلَبَ بهِ العزَّةُ عندَهُ هو الإِيمانُ والعَمَلُ الصَّالِحُ بقَولِهِ : ( إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ) والكَلِمُ : جَمْعُ كَلِمَة ، وكُلُّ جَمْع ليس بينَهُ وبينَ وَاحِدِهِ إلاَّ الهَاءَ جَازَ فيهِ التَّذْكيرُ والتَّأْنيثُ ، يقُولُ : هذا كَلِمٌ وهذهِ كَلِمٌ ، ومعنىَ الصُّعُودِ هنا هو القبُولُ ، وكُلُّ ما يَتَقَبَّلَهُ اللهُ تعالى من الطاعاتِ يُوصَفُ بالرَّفْعِ والصُّعُودِ ، لأنَّ الملائِكةَ يكتُبُون أعمالَ بني آدمَ ويَرفَعُونَها إلى حَيثُ يَشَاءُ اللهُ تعالى ، كَمَا في قَولِهِ تعالى : ( كَلاَّ إنَّ كِتَابَ الأْبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ) ( 1 ) ، و ( الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) : تَمجيدُهُ وتَقْديسُهُ وتَحْميدُهُ ، وأَطْيَبُ الكَلِم : لا إلهَ إلاَّ الله ( وَالْعَمَلُ الْصَّلِحُ يَرْفَعُهُ ) أَي : يَرفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ إلَى اللهِ ، فالهَاءُ ضَميرُ ( الْكَلِم ) ، وقيلَ : مَعنَاهُ : والعَمَلُ الصَّالحُ يَرفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيبُ ( 2 ) ، أَي : لا يَنْفَعُ العَمَلُ إلاَّ إذا صَدَرَ عن التَّوحيدِ ، وقيلَ : معنَاهُ : والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ اللهُ لِصَاحبِهِ ( 3 ) . فَعَلَى الوجْهَيْنِ الأَخيرَيْنِ يكُونُ الهَاءُ ضَميرُ ( العَمَل ) . ( وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ ) المَكْرَاتِ ( الْسَّيِّئَاتِ ) أَو أَصنَافَ المُكُرِ السيِّئَاتِ ، فَهي صِفَةٌ للمَصْدَرِ أو لِمَا في حُكْمِهِ ، وقيلَ : عَنى بِهِنَّ مَكْراتِ قُرَيْش حينَ اجتَمَعُوا في دار النَّدوةِ وتَداورُوا الرَّأيَ في إحدَى المَكْرَاتِ الثَلاثِ : إمَّا إثْباتُ رسولِ اللهِ ، وإمَّا قَتْلُهُ ، وإمَّا إخْراجُهُ ، كَمَا حَكَى اللهُ عَنْهُم في قَولِهِ : ( وَإذْ يَمْكُرْ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) الآية ( 4 ) ، ( 5 ) ( وَمَكْرُ أُولَئِكَ ) الَّذينَ مَكَرُوا تلكَ المَكْرَات ( هو ) خاصَّةً ( يَبُورُ ) أي : يَكسُدُ ويَفْسُدُ دُونَ مَكْرِ اللهِ بِهِم حينَ أَخْرَجَهُم من مكَّةَ وقَتَلَهُم وأَثْبَتَهُم في قَليبِ بَدْر ، فَجَمعَ اللهُ عليهِم مَكْرَاتِهِمْ .

--> ( 1 ) المطفّفين : 18 . ( 2 ) قاله الحسن البصري في تفسيره : ج 2 ص 224 . ( 3 ) قاله قتادة والسدي . راجع تفسير الماوردي : ج 4 ص 464 . ( 4 ) الأنفال : 30 . ( 5 ) قاله الزمخشري في الكشّاف : ج 3 ص 603 .